وهبة الزحيلي

111

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

إلى ما هو الحق الذي يجب اتباعه ، مع أنه قد أتاهم من اللّه البيان الواضح الظاهر بأنها ليست آلهة ، وهو هذا القرآن الذي هو الحجة والبرهان من عند اللّه ، على لسان رسوله الذي بعثه اللّه إليهم ، فأعرضوا عنه ، ولم يتبعوا ما جاءهم به ، ولا انقادوا له . ثم أوضح اللّه تعالى أن القضية ليست بالتمنيات والأماني ، وأن هذه الأصنام لا تفيدهم في شفاعة عند اللّه ولا في غيرها ، فقال : أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى ، فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى أي بل أيمكن « 1 » أن يكون للإنسان ما يتمنى ؟ ليس كل من تمنى خيرا حصل له ، وليس لهم ما يتمنون من كون الأصنام تنفعهم وتشفع لهم ، فسلطان الدنيا والآخرة وملكهما والتصرف فيهما للّه عز وجل ، وليس للأصنام معه أمر في الدنيا ولا في الآخرة « 2 » : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ [ النساء 4 / 123 ] . وروى أحمد عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى ، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته » . ثم بيّن اللّه طريق قبول الشفاعة ، فقال : وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى أي وكثير من الملائكة الكرام في السماوات ، مع كثرة عبادتها وكرامتها على اللّه لا تشفع لأحد إلا لمن أذن اللّه أن يشفع له ، فكيف بهذه الجمادات الفاقدة العقل والفهم ؟ ! أي إن الملائكة لا تشفع إلا بعد الإذن لها بالشفاعة ، وإلا لمن يشاء اللّه أن يشفعوا له ، لكونه من أهل التوحيد ، وليس للمشركين في ذلك حظ . قال

--> ( 1 ) أم المنقطعة كما تقدم : بمعنى بل الإضرابية وهمزة الاستفهام التي تفيد الإنكار . ( 2 ) جملة فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى مسوقة لتقرير جهلهم واتباعهم الظن .